ابن بسام
47
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ذكر دفاع ابن أبي عامر العدو صدر الدولة وقيامه بالجهاد دون الجماعة وتوصله بذلك إلى تدبير الملك قال ابن حيّان [ 1 ] : وجاشت النصرانية بموت الحكم ، وخرجوا على أهل الثّغور ، فجاء صرّاخهم إلى باب قرطبة فلم يجدوا عند جعفر غناء ولا نصرة . وكان مما غرّب به لجبنه وعظيم أفنه أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سدّ نهرهم آنة لغمقه وسوء دجلته ، يلتمس بذلك دفاع العدوّ عن حوزته ؛ لم تتسع حيلته لأكثر من ذلك مع وفور جيش السلطان يومئذ وجموم أمواله ، فكانت من سقطات جعفر المأثورة ؛ فأنف ابن أبي عامر من تلك الدنيّة ، وأشار على جعفر بتجريد الجيش للجهاد ، وخوّفه سوء العاقبة في تركه ، وأجمع الوزراء على ذلك إلّا جماعة خاموا عنه ، فبادر ابن أبي عامر إليه ووعد من نفسه الاستقلال به على أن يختار الرجال ، ويجهّز لغزوته مائة ألف مثقال ، فنفر بالجيش ودخل على الثّغر الجوفي إلى جليقية ، فنازل حصن الحامة من أعمال ردمير ، فدخل ربضه وأفشى النّكاية وغنم ، وقفل ووصل الحضرة بالسّبي إلى اثنين وخمسين يوما ، فعظم السرور وخلص الجند له ، واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كرمه . حدثني أبي خلف بن حسين قال [ 2 ] : تذاكرنا جود ابن أبي عامر [ 46 ] يوما ، / وبالحضرة محمد بن أفلح غلام الحكم ، فقال : عندي من جوده غريبة ، أنكحت بنتي على عهد مولانا الحكم والحال بنا ضيّقة ، فاضطررت لما أصلح به حال الجارية إلى بيع لجام محلّى [ 3 ] ثقيل الوزن رديء العيار ، وكان عندي لزينتي أيام المراكب ، وتقاعد فيه التجّار فانقطع بي أملي ؛ فوقع في نفسي قصد ابن أبي عامر صاحب السكّة للذائع من كرمه ، وأعظم رغبتي في أن يضرب لي في السكة دراهم ، فقصدته وعرّفته رغبتي ، فسارع بأطلق وجه وقال : سر إليّ بدار الضّرب ؛ فجئته وأوصلني إلى نفسه والدراهم المطبوعة بين يديه ، وأومأ إليّ فأخرجت اللجام وأنا خائف من صرفه لسقوط عياره ، فو اللّه ما نظر إليه ولا عايره ، وراطلني واللّه باللجام بحدائده وسيوره . فأخذت ما لم يدر في وهمي أنّي أظفر بمثله . وعظم ابن أبي عامر في عيني ، وقمت عنه وحجري ملآن ولا أصدّق بما
--> [ 1 ] انظر : نفح الطيب 3 : 87 . [ 2 ] يتابع المقري النقل في النفح 3 : 88 . [ 3 ] ص : جلى ؛ وأثبت ما في النفح .